تهتم مجلة سومر بنشر:

29‏/03‏/2015

هروب.. قصة قصيرة بقلم/ الأديب مختار أمين


 هروب
رأيت القلب الأبيض على الشفاه، ومضغ الوردة الحمراء تحت الأسنان البيضاء، ومئات القلوب البكر المتعانقة تخشى المحظور.
كان يجب علينا أن نجتاز مسافة الفراغ بين قلبينا، أشارت واجلة مكان الداء، رحت أطمئنها، أحدثها عن بطولاتي ومكاسب أخرى أحرزتها لصالحي، ارتجفت، ضممتها إلى صدري، نامت فوق شعيراتي، أنفاسها تلسعني، تخترقني، تشعرني بالذنب.
تذكرت حديثها لي عندما كانت تمر من أمامنا ذات مرة فتاة ما، ونظرت لي هذه القتاة نظرة خاصة، وابتسمت ابتسامة ماكرة، وظلت تضحك حتى اختفت من أمامنا، عندها اشتطت غيظاً وعنفتني قائلة:
- سر هذه الابتسامة أن هناك شيء ما يربطكما.
استنكرت لما قالت بشدة وقلت مدافعا:
- هي التي كانت حديث الحي، وسمعت عنها حكايات كثيرة، كيف تصب لعنتها علينا وعلى كل سكان الحي؟ هي التي أذنبت وحدها.
ارتجفت وارتمت تحتمي في حضني، ودعكت دموعها صدري.
جاءتني وهي تسدل على وجهها سواد الخطر، كي تذكرني، ملّت أذناي سماع كلمات الاستعطاف، وأغمضت عيني عن رؤية الدموع التي يرعبها الليل..
قررت الرحيل..
عندما وقعت في المحظور، كانت الفتاة العابرة تترصدني، وتبتسم لي على ناصية الشارع المظلم، وهي تبسط شعرها ليد الليل، ويدها الأخطبوطية تجذبني إليها، انفلت من شباكها في عناد وتكابر، ظلت تضحك حتى تلاشت في الظلام.
على آخر لحظة جاءت تمسك بالحقيبة الهاربة بسرها، تستحلف أيامنا الجميلة والوعود البطولية، تخاذلت أمام ذكرياتنا، وقلبي الطائر المحلق في حديقة الأحلام، في الحلم رأيته عصفوراً ينعق نعيق البوم، يهدم عشه ويفقأ بيضه، نهضت مفزوعاً أفتح النافذة أستنجد بالصباح، أتعجل صباحاً لم يحن، كانت أمامي في ثوبها الليلي تضحك في مكر ودهاء، وتلملم شعرها من يد رماد الليل.
شلّت قدماي في فراشي، وغاصت بي الأيام أسابيعاً وشهوراً، وأنا أعيد ذكريات قلبي، جاء في أذني مصرع صرختها، طلقة حاسمة تحطم زجاج نافذتي، وتفزع سكان الحي، وتزيد من ضحكات الفتاة التي ظلت ترقص ليلاً، عارية في الشارع كل ليلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق