تهتم مجلة سومر بنشر:

05‏/05‏/2015

الناقد/ عثمان عمر الشال في دراسة تحليلية حول (الــ ق.ق.ج) "فرح أختي" للأديب مختار أمين





 الناقد عثمان عمر الشال



 الناقد/ عثمان عمر الشال في دراسة تحليلية حول (الــ ق.ق.ج) "فرح أختي"  للأديب مختار أمين
______________________________________________ 
 
  فرح أختي
  

كان اليوم زفافي؛ تحفني الفرحة، وهم يهللون ويكبرون حولي ...
بصوت يطلقه بنار الحقد:
ـ اترك أختك واعبر.
التحمنا.. كان قلبها يقفز من فوق صدري.
أشار لهم .. انهالوا علينا؛ تشبثنا .. دقت أقدامهم الحديدية وجهينا.. اقتلعوها مني.. زحفت صارخا نحوهم وهم يمزقون ثيابها.. تهيؤوا لافتراسها.. تراخوا، فرّغت كل الرصاص من السلاح المهمل الذي حررته الشهوة.. أرديتهم جميعا، حيث فاجأني البعيد؛ ستر دمي جسد أختي العاري.
كانت ابتسامة الأسى تصعد إلى السماء، وأنا أنتظر السنوات الثلاث المتبقية لأكون جنديا في جيش بلدي.

_____________________________________________
  الرؤية النقدية والتحليلية
=============
... ولأن صفحة (المختار في فن القصة والروية بين الإحتراف والهواية) صفحة متخصصة جداً، وتعتني بالكلمة الجادة وتقدرها، وتسعى في وضعها في الإطار التى تستحقه، وقبل أن أتناول الرؤية النقدية حول النص الذي بين أيدينا وجب على تقديم نبذة عن المعايير التي على أساسها تكتب (القصة القصيرة جداً) حتى تكون الرؤية النقدية متكاملة. وبعيدة عن المزاج الشخصي، أو الانطباع النفسي.
فهناك عناصر ثابتة، وقواعد راسخة عند تناول هذا الجنس من الأدب يمكن حصرها في مجموعة العناصر الجوهرية، والمقومات التالية : ـ
1- الحكائية أو القصصية: وهو حتمية السرد المقتضب كلما كان هذا أمكن، بحيث ألا يكون مخلا بالدراما داخل القصة.
2ـ الوحدة: والمقصود بها وحدة الحبكة والعقدة بشكل خاص.
3- التكثيف: وهو أهم عناصر (القصة القصيرة جدا)، ويشترط فيه ألا يكون مخلا بالرؤى أو الشخصيات، وهو الذي يحدد مهارة القاص.
4ـ المفارقة: التي تعتمد على" تفريغ الذروة، وخرق المتوقع، وتعميق إحساس المتلقي بالناس والأشياء، وتكون المفارقة أكثر جدوى في التعبير عن الموضوعات الكبيرة، كالعولمة والانتماء ومواجهة الذات".
5

- فعلية الجملة: تعتمد (القصة القصيرة جدا) على عنصر الفعلية في تحريك الأفعال، وتسريع الحبكة السردية سواء أكانت تلك الجمل جملا فعلية أم جملا تفيد الفعلية.
هذا بخلاف حتمية العنوان الذي لا يتجزأ عن النص، و وجوب الاستفادة من علامات الترقيم التي تمثل عنصراً من عناصرها.
ومن هذه المقدمة ننطلق إلى النص الذي بين أيدينا: ــ
(العنوان) ـ فرح أختي ـ يبدو من الوهلة الأولى أنه عنوان عادى يصلح أن يكون عنوانا لرواية أو لقصة قصيرة لما يحمله من وصفيه لحالة تنم عن فرح قادم، وأحداث كثيرة ننتظرها من وراء انزياحاته التي سكنت عقولنا واستقرت، فنحمله على ماهو ونمضى للولوج لمتن النص..
نجد "الكاتب" يبدأ السرد بجملة خبرية تميل إلى الوصفية أو قل تقريرية، ينهيها بنقاط الحذف (...) التي تعني المسكوت عنه، فيضعنا في موقف لا نحسد عليه، ومن ثم تبعها بجملة صادمة ...
(كان اليوم زفافي؛ تحفني الفرحة، وهم يهللون ويكبرون حولي ...)
نقف مشدوهين أمام الجملة، ونتذكر روايات الزمن الجميل,، ونستقرئ الجملة بسرعة كما الأفلام العربية (طالما أول الفيلم بدايته فرح، فلابد أن تكون النهاية نكد).. نحمل هذه البداية مع العنوان ونستمر مع "الكاتب" في سرده .
(بصوت يطلقه بنار الحقد:
ـ اترك أختك واعبر. ).
على غير مجري السرد النمطي ينقلنا "الكاتب" إلى منعطف آخر، جاء كما الصدمة الكهربائية، وهنا لابد لنا من وقفة لنوضح تلك النقلة طبقاً لقواعد هذا الجنس من الأدب، وحتى تكون الدراسة إضافة لكل من يريد التعرف على تقنياته، فنجد"الكاتب" استخدم عامل المفارقة على أفضل ما يكون، وكلما كانت صادمه؛ كلما عبرت عن حنكة الكاتب ومهارته خاصة، وأنه نكر صاحب الصوت الذي أطلقه بنار الحقد.. اترك أختك واعبر.
والمفارقة هنا حداها الفرحة، والبلطجة.. غير تصوير المشهد وكأننا نلمسه بأيدينا.
ثم يواصل "الكاتب" رصد المشهد وتطوره مستعينا باللغة الجزلة، والجمل بارعة التقطيع والتكثيف في آن واحد ...
(التحمنا.. كان قلبها يقفز من فوق صدري.
أشار لهم .. انهالوا علينا؛ تشبثنا .. دقت أقدامهم الحديدية وجهينا.. اقتلعوها مني.. زحفت صارخا نحوهم وهم يمزقون ثيابها.. تهيأوا لافتراسها ..).
لنرى كلمة (التحمنا) ونقاط الفصل (..) التي تعطى للمتلقي الوقت الكافي للتخيل واستقراء المعني لـ (التحمنا) وإنزياحتها.. تشابكنا.. تعاركنا.. اقتتلنا .. الخ، ثم يفصل لنا "الكاتب" المجمل، في كل تفصيلة يستخرج لنا درراً كامنة بداخلة من حيث الصورة البلاغية، وكأنه ممسك بكاميرا ينقل لنا المشهد مجسماً، فنحياه على أرض الواقع، علاوة على تنامي السرد المشوق.
وأضع لك عزيزى القارئ هذه التعبيرات في ميزان اللغة ...
قلبها يقفز من فوق صدري // دقت أقدامهم الحديدية وجهينا // اقتلعوها مني // زحفت صارخا نحوهم / تهيأوا لافتراسها.
ويستمر "الكاتب" في تصعيد السرد الماتع لكى يصلنا بنا إلى قمة القصة، و(العقدة)...
(تراخوا، فرّغت كل الرصاص من السلاح المهمل الذي حررته الشهوة.. أرديتهم جميعا، حيث فاجأني البعيد؛ ستر دمي جسد أختي العاري.).
ونلاحظ أيضا كلمة (تراخوا) وما يتبعها؟ فهي نقطة الفصل في القصة ـ تعلن عن المأساه ـ وإحدى انزياحات العنوان ـ والدفاع عن العرض ـ والمقابلة التي أراد "الكاتب" أن يعرضها لنا ...
(فرّغت كل الرصاص من السلاح المهمل الذي حررته الشهوة ...).
وهي صورة تمثل الخسة والنذالة أمام الشهوة.
يقابلها ...
  (أرديتهم جميعا، حيث فاجأني البعيد ؛ ستر دمي جسد أختي العاري.).
وهي صورة تمثل البسالة لصاحب "العرض" الذي انتهك, والبعيد ـ الزوج ـ ستر الجسد العاري
ولولا "القفلة" التي جاء بها "الكاتب" الحصيف، لكان لى ووقفة مغايرة عند تناول هذا المقطع من القصة البنائية، فبالرغم أن وظائفها داخل القصة ثانوية؟ إلا بحبكة "القفلة" انقلبت وظائفها أساسية، وحملت رسالة "الكاتب" التنويرية رغم قتامتها.
(كانت ابتسامة الأسى تصعد إلى السماء، وأنا أنتظر السنوات الثلاث المتبقية لأكون جنديا في جيش بلدي .).
هنا يحدد لنا "الكاتب" في إشارة بارعة بأن البطل (الأخ) لم يزل في طور الطفولة؛ حيث أنه بقي له ثلاث سنوات للانضمام للجندية؛ وحسابيا الانضمام لصفوف الجندية يكون في سن العشرين، بمعنى أنه يبلغ من العمر سبعة عشرة عاماً، وسن الطفولة يمتد إلى سن الثامنة عشر... أما الإشارة الثانية في "القفلة" أن العسكرية مصنع الرجال.
خالص تحياتي للروائي الكبير / مختار أمين.
والله ولي التوفيق  

هناك تعليق واحد:

  1. نص رائع وتحليل ماتع....لقاء العملاقين يتجلى في إبداع الأديب الأستاذ مختار أمين وبراعة الناقد الأستاذ عثمان عمر الشال...مناراتان على طريق الأدب...من سار على دربهما وصل....للقمة، تحياتي.

    ردحذف