حرملك
ارتمت على الأرض الباردة وهي تتلمس براحتها آثار ضربة وجهها لها بعناية فائقة على أمل أن تصيب منها مقتلا. كاللبوة الجريحة لعقت ما طاب لها من دمائها النازفة. استكانت وهدأت بعد أن صفق الباب خلفه تاركا إياها في حالة مزرية. لملمت ما تبقى من كرامتها متذرعة بأن الزمن كفيل بالانتقام لها من وحش ضار يتبختر تيها بهمجيته. تذكرت حوارا دار بينهما في لقائهما الأول حين سألته عن رأيه حول عمل المرأة.. استفاض في الكلام عن حقوقها وشن هجوما عنيفا على من يقف حائلا دون تحقيق ذلك. أهذا هو نفس الشخص الذي ألقى خطبة عصماء أمامها مشيدا بالمرأة ودورها الفاعل في الحياة؟!
أهذا هو الأديب الذائع السيط، الذي تبنى قضية الدفاع عنها في كتاباته؟! لا يمكن أن يكون هذا الثور الهائج هو نفسه. استعادت قواها مجددا وانتبهت إلى صوت مذيع التلفزيون يعلن عن مقابلة سيجريها مع "سالم سعيد"
جمد الدم في عروقها.. اعترتها رجفة عندما ظهر على الشاشة بكامل هدوئه والابتسامة لا تفارق وجهه. أنصتت إلى الحوار وقد أعياها الغثيان من آرائه الكاذبة وازدواجيته التي لا يعلم بها أحد غيرها. تخيلت نفسها تقتحم الشاشة لتمسك بتلابيبه وتفرغ في رأسه عشر طلقات، بعدد سنوات عذابها معه. الموت رحمة له.. عليها أن تفكر بشيء آخر يجعل منه مسخا أمام قرائه السذج. ليتهم يطلبون آراء المستمعين من خلال أسئلة وأجوبة! ستكون أولى المتصلات بإسم مستعار.. ستحشره في الزاوية وتضيق عليه الخناق.. ترى ماذا سيكون موقفه؟! ستكون فضيحة على الملأ وبالمقايل ستنتقم لنفسها ولقرائه المخدوعين به. قطع عليها المخطط الذي رسمته، صراخ سالم جونيور يستغيث باكيا.. مسحت حقدها بمنديل أمومتها وهرعت إليه تهدهده إلى أن استعاد سكينته وغفا. سمعت رنين هاتف تبعه صوت نسائي يسأل الضيف عما إذا كان من مؤيدي عمل المرأة أم من معارضيه.. جاءها الرد كالعادة مقنعا بالكذب وبعيدا عن واقعها الذي يشاركها فيه. أحست أن هذه فرصتها.. بعزيمة وإصرار أدارت قرص الهاتف وطلبت من المذيع أن تتحدث مع ضيفه؛ فلديها أكثر من استفسار. غيرت من نبرة صوتها وكان سؤالها الأول كالتالي
- هل تزوجت عن حب؟!
- نعم أنا أعشق زوجتي حد العبادة.
- متفاهمان إذن.. لا مشاكل بيتية تحول بينك وبين إبداعاتك!
- إلى أبعد حد.
ياسيدي المذيع شكرا لك أنت فقط وليس لضيفك؛ فهو محتال ودجال.. لا يؤمن بكل ما يكتبه.. برأيه المرأة مكانها البيت وكل النساء لسن سوى جوار عند أزواجهن وسلع للبيع.. إنه الذكر ويحق له كل شيء حتى الخيانة. إن كنت لا تصدق! اجلب الكاميرا إلى منزله.. سترى آثار ضرباته على وجهي وجسدي.. هيا أسرع لتسجل سبقا صحفيا يوصلك إلى قمة الشهرة.. أنا في انتظارك وشكرا على سعة صدرك. انقطع البث قبل أن تكمل جملتها الأخيرة. أدارت اسطوانة لتسمع معزوفتها المفضلة الفصول الأربعة وجلست بمواجهة الباب الخارجي وفي يدها مسدس.. ما هي إلا دقائق قليلة حتى فتح الباب عنوة ليدخل الثور الهائج كما كانت تسميه.. أشهرت السلاح في وجهه وبدأت بالعد
واحد.. إثنان..ثلاثة.. ثم وجهته إلى صدغها.. ثقب خلفته رصاصة وخيط دم حار يسيل على وجهها الذي بدا شاحبا تحت أضواء الكاميرات وجلبة الصحفيين الذين جاؤوا يتأبطون سلم المجد والشهرة.
يد صغيرة أيقظتها من تأملاتها وقطعت عليها السيناريو وصوت "سالم جونيور" أعادها إلى الحياة وهو يردد:
ماما! أنا جائع.
(اخلعوا نعالكم وأقنعتكم أيها الذكور قبل الدخول إلى ممالك النساء.) بهذه العبارة ختمت الفصل الأخير من روايتها استعدادا لإرسالها إلى دار النشر.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق