تهتم مجلة سومر بنشر:

12‏/05‏/2015

الكاتب والناقد/ أحمد منصور الخويلدي في رؤية نقدية فلسفية في قصة.. "امرأة للحب الأول فقط" للكاتبة د. نهلة الحورايني


 
الكاتب أحمد منصور الخويلدي
 
 
 رؤية نقدية فلسفية في قصة  "امرأة للحب الأول فقط"
 للكاتبو/د. نهلة الحواريني أستاذة بكلية آداب جامعة المنصورة
رؤية الكاتب والناقد / أحمد منصور الخويلدي
في هذه النص القصصي، تَجلت ببساطة فلسفة محيرة، تتشاكل مع النفس لتفرض معان جديدة قائمة، تبحث عن ثبات في متغير مضطرب. تسع مرات حب من أول مرة ـ ولا غرابة ـ ناهيك عن الإسلوب البسيط المتحايل الذي يسلب المتلقي إرادته ليسحبه إلي حكي.. حكي مقصود لذاذته لسبب ما... من هنا تتجلي دروب كثيرة للخوض فيها.
وهناك ملمح آخر يحوي أهمية قصوي. وهو الزمن حيث تشابكت خيوط معرفية ماضية ومسقبلية، لتشد ما يمكن أن تحسبه زمنا ثابتا محددا.
أيضا معاني الأشياء... الحب ومعناه المتعارف عليه علي مر العصور البشرية..
و في ملمح غريب أيضا نقطتان غاية في الأهمية، يجب فحصهما و هما:
• نقطة رقم الهاتف الذي يمثل لغة الفراق ...
• و حكم عدم وقوع حبها في قلبه في حين أنه كلما قابلها يشعر بأنها المرة الاولي.
بقى أن نسترد وعينا الفلسفي لنلملم كل هذه الجزئيات حتي نصل الي رؤية فلسفية ثابتة تتناسب مع ما جاء في النص ... ناهيك عن شرح انفعالات فارس و تقبل لبنى .. و اِنكارهما لتصرفاتهما، أو محاولة تجميلها
سنتناولها بعين البحث و التحليل بعد قراءة النص
ــــــــــــــــ النص ــــــــــــــــ
أمرأة للحب الأول فقط
يقف كل مساء كعادته على رصيف المترو منشغلًا بعدّ المارة الذين يدخلون العربات على الرصيف المقابل قبل أن يدخل هو.. مرت به.. مسرعة الخطى على نحو مرتبك.. خلّفت سرعتها عاصفة عطر رقيقة.. شعر أنفه بالدلال وحواسه بالخدر.. لم يلحظ منها سوى ثوبها الأحمر الحريري بعد أن أولته ظهرها منطلقة نحو عربة السيدات.. أما هو فقضى ليلته كلها يحلم بذات الثوب الأحمر وعطرها المزعج.. وحين نام لم يحلم بشيء على الإطلاق وكأن الأحلام هجرت نومه لواقعه بظهورها المفاجيء البسيط جدًّا كالنار في صورتها البدائية.. وهو إنسان الكهف الذي يفرح في كل مرة يصنع فيها حريق صغير.
في المساء التالي مرت به ثانية.. ألمت به حالة الخدر ذاتها لكنه استطاع أن يرى ملامحها الدقيقة وسمارها الذي يستطتيع أن يصنع ما لا يستطيع القمر صناعته.. واستطاع أن يرى تلك الفتاة منفعلة وهي تتحدث في هاتفها وتترجل من عربة سيدات المترو.. وكأنها تنهره.. لماذا لم يقترب؟!..
توالت لقاءات أربعة في مساءات أربعة.. استطاع أن يحفظ مواعيدها وطريقتها في دخول منطقة رصيف الانتظار.. حتى أنها كل مساء تترجل من المترو منفعلة في حوار هاتفي.. قرر أن يقترب في اليوم الخامس.. انتظرها قبل نزول السلم المؤدي للرصيف الذي تعودت استخدامه.. حيا وسلم.. فابتسمت.. اندهش.. لكنه ظن أنها ايضًا كانت تلاحظه وتنتظر أن يحدثها.. قال في ارتباك : (لديك بعض الوقت ؟) نظرت في ساعة هاتفها.. لاحظ صورتها الجميلة بالثوب الأحمر على خلفية الجهاز.. ابتسمت ثانيةً وقالت : (لدي نصف ساعة).
اتفقا على أن يمشيا معًا حتى محطة المترو القادمة.. كانت القاهرة المزدحمة في التاسعة مساءً تشبه صديقته كثيرًا.. بعصبيتها وأثوابها المموجة وجمال ملامحها الدقيقة في نهر وجهها الحنطي.. كانت وارفة الجمال الدافيء كحقول قمح لا تنتهي.. قالت دون مقدمات :
- اسمى (لبنى) أعمل بائعة في محل يبيع العطور.. وأنت ؟
- نور.. مصمم جرافيك.. لم أكن أعلم أنك تلاحظينني..
- ومن قال أنني لاحظتك؟
- لأنك قبلتِ السير معي.
- إن كنت مهتمًا بمعرفة الأمر.. أنا لم ألاحظك ولم قبل السير معك لأنني لاحظتك.. قبلته لأنك تستحق أن أسير معك.. طريقتك في العرض وإحساسي نحو كلماتك..
صمت محاولًا ابتلاع الصدمة.. فتلك هي المرة الأولى التي يصادف فيها فتاة كـ (لبنى).. يعرف بالتأكيد أن مثلها كثيرات لكنه لم يلتقِ بإحداهن.. قال :
- وإن كنتِ مهتمة يا لبنى.. أنا سعيد أنك قبلتِ..
- سنكررها غدًّا ؟
- بلا شك.. إن أعطيتني رقم هاتفك..
وبينما كان مبتسمًا غام وجهها مع ذكر رقم الهاتف.. سألها عن السر.. قالت :
- غالبًا يستخدمون الهاتف كي يعبرون عن سعادتهم بالبدايات لكنه أيضًا أداتهم المثالية لقول (مشغول.. وداعًا)..
- أعدك.. ربما أقول "مشغول".. لكنني لن أقول "وداعًا" عبر الهاتف.. ولماذا الوداع ؟!
- من يدري؟.. بالمناسبة أنا كنت ماهرة بما يكفي للوقوع في الحب الأول تسع مرات حتى الآن.. أستطيع أن أجد حبًا مختلفًا كل مرة لا يستحق أن يكون تاليًا لآخر لأنه لا ينتمي له مطلقًا.. والوداع كان هاتفيًا كل مرة..
- لدي واحدة من التسع..
مر الوقت بسرعة كعادته حين يلقى فتاةً للمرة الأولى.. رحلت لبنى وتركت غلالة ثوبها الأحمر في عقله.. ولأول مرة بدأ يحلم بها.. كانت تضحك طوال الوقت في رؤياه حتى أنه استيقظ على أرض الغرفة.. مما جعله يظن أنه كان نشيطًا جدًّا داخل الحلم وخارجه..
توالت لقاءتهما الكثيرة.. وصار المساء يمر أسرع كل يوم عن سابقه.. وقعت لبنى في الحب الأول للمرة العاشرة.. لكنه لم يحبها.. مع ذلك لم يتمكن من وداعها أبدًّا.. لأنه في كل مرة يلقاها يشعر بأنها المرة الأولى.. ولأنه لا يستطيع أبدًّا أن يقول لها في الهاتف "وداعًا"..
ــــــــــــــــــــ الرؤية ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نستهل كشفنا من حيث فلسفة العنوان ( امرأة للحب الأول فقط ) ومن أول وهلة ندرك إلي حد مقبول قيمة مايطرح خلف هذا العنوان الذي يحمل امرأة مخصصة فقط لشئ لا غير الحب الاول فقط .. ونتخيله لافتة دعائية عن سلعة ما، أو مشروع ما يتم الإعلان عنه، ولكننا سرعان مانتبين عمقا مقصودا مستترا خلف لفظة واحدة هي ( فقط ) .. وهذا العمق تنجلي منه الايثار والتفرد معا بما يعني أنها ليست أية امرأة، و الحب أيضا ليس أي حب ... و ننطلق منه سريعا إلى ايدلوجية العشق و ثوابته، و ما يطرأ عليه من معتقدات.. الحب كائن مطلق لا تحده الحروف، و لا تكسر لحنه أنغام الفوارق... انهمار روحين في بوتقة التشابه و التكامل، الافراط فيه يؤدي إلى العشق، المرحلة التي يمتزج فيها عنصرين من مادة واحدة لا يمكن الفصل بينهما.. وهذا يأخذنا إلى حقيقة مؤكدة؛ ألا و هي: لهجة المسافات بين العشاق، و إحساس و تألم أحد الطرفين يقينا لتألم الطرف الأخر؛ حتى و إن كان كلاهما نقطة في كلمة أخرى و لن يلتقيا في عنوان.. هكذا عرفنا الحب و اندفعنا لعوالم أخرى مع الهيام و الجوى، و عشنا تلك اللحظات المجنونة التي تركضُ في خيالنا مع كل نظرة يتصبب فيه عرق الحياء، و تشرق من الطموح الحياة.. أما مشهد ( لبنى ) بطلة قصتنا؛ فهو مشهد واقعي صادم ، يتشظى فيه ملمح غريب لأنثى ( التيك أوي ) التي ولدت في عصر يتسابق و ذاته ؛ حتى صار الحب كالومضة في الأدب. يتناولها المتلقي بابتسامة عريضة، و هو على المقهى، أو بسيارته...الخ ؛ لكنها نادرا ما تتركُ تلك القيمة التي تخلفها القصة، أو الرواية، أو حتى القصيدة ..
من هذه المزاوجة بين ما هو رمزي، وما هو واقعي تنقل لنا الكاتبة الحالة النفسية التي عليها البطل ( فارس ) بداية من عادته اليومية في عدّ ركاب العربة المقابلة في صورة واضحة للاحباط النفسي و الفراغ والملل، و اِنجذابه الشديد لشذى صاحبة الرداء الأحمر(لبنى) التي مرتْ أمامه سريعا؛ ليظل هو الثابت أمام محطة فراغه، يترقب قدومها من جديد، يراقبها، و حين تظهر أمامه باليوم الخامس يندفع نحو الولوج في ( الحب المُتبل بالتكنولوجيا ) يتقدم نحوها بكل جرأة العصر، يطلب التعارف.. هي لا تمانع نظرا لرقي الطرح؛ رغم إدراكها ما تخفيه ستائر الانطباعات الأولى لهذا الزمن.. و للزمن هنا بعدًا آخر في القيمة الممنوحة و المحددة (للفارس) نصف ساعة، و بعدها تجلتْ العقدة الظاهرة في النص ( رقم الهاتف ) الذي يمثل للبطلة أداة سريعة للفقد بين ساعات لا تنقطع حرارتها و أيام تتوالي بين مشغول، أو عفوا هذا الرقم خارج نطاق الخدمة؛ لذا أرادتْ أن تمنح قلبها هذه المرة بعد آخر، و تمنحه أيضا ملمح آخر للاشتياق؛ فكان رفض اعطاه رقم الهاتف ايقونة جذب لمعنى حب حقيقي، لم تتذوق طعمه بعد.. و الحدث الرئيسي التي تقدمه الكاتبه هنا الانفصام العاطفي الذي يتعاطى مع فلسفة الحب لدى البطلة و اعترافها بأنه ( حب أول للمرة العاشرة ) و دلالة هذا الانفصام جلية في عدم اعترافها بأي إحساس للبطل، و نكران وقوع الحب لديه رغم أنهُ أصبح يتدحرج بين حلم و واقع، و يتنفس نظراتها كأنه يراها في كل مرة بعيون جديدة للغاية.. لتترك لنا الكاتبة أبواب فلسفية عديدة تطرق أبواب فكرتها.. أول هذه الأبواب باب السرعة الحياتية للأجيال الحالية، و انبعاثات المفردات الجديدة، و تأثيرها النفسي على انطباعات ومعاني الحب لديهم.. الباب الثاني باب اللهجة العامة لدى شباب اليوم و المصطلحات التي تقفز فوق بعضها البعض و كأنها تتعارك من أجل أثبات القوة حتى على النفس، أما الباب الثالث فهو باب العنف الذي ينهل من جسد كل فتاة تسير بالشارع، و أثر ذلك على نظرتها للفارس في زمن أطلقَ على الحصان العربي النار من جميع الجهات .. من هذه الأبواب الثلاثة نحاول النظر من ثقوب مفاتيحها إلى معالم الحب لدى الشباب، دون أن نضع رؤوسنا في رمال الوهم، و سنعترف أن الحب الأفلاطوني ( الحب من أجل الحب ) أصبح مادة سخرية بين شباب اليوم، و الحقيقة هم ضحايا لنا ( نشأة و سلوك ) فنحن من زرع فيهم أن قيمة الرجال بما يملكونه من مال، و أن سندريلا حمقاء سرقتْ من واقعها جراء نعال، و أن الحب بمقدار ما تأخذه، و ليس بمقدار ما تعطيه، و إن كان هذا الناتج الطبيعي للفقر الذي يؤدي للجهل و العشوائية الفكرية قبل العشوائيات السكنية؛ فكيف لشاب أن يجيد الرومانسية، و غالبية المعروض لديه متاح ...؟! من خلال هذا السؤال تشكلت الملامح النفسية لأبطال قصتنا، و كانت الابعاد الخفية التي طرحتها الكاتبة لفكرة النص .. بداية من العنوان و نهاية بالخاتمة الصادمة لكل من يبحث عن ملامح الحب في عصر المترو

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق