جابر خليفة جابر
بسرد هادئ وواضح يستدرجنا الروائي ياسين شامل إلى ألغاز روايته الثانية ((ملف بروك)) التي تتجمع أو تتركز في لغز رئيس واحد هو لغز ( آنا/ حياة ) وكأن هذين الاسمين عبارة عن جملة اسمية خبرية تقول: أنا حياة! أي إن الاسمين هما حل اللغز بالقول إن حياة هي آنا وآنا هي حياة.
ومن هنا أخذت الأحداث المستندة إلى مخطوطة (ملف بروك) منحى قريبا من الحبكة البوليسية، إذ أن (حياة) في هذه الرواية تمثل ثنائية الفقدان والاستعادة، حيث فقدها حبيبها صادق المانع مع تطور الأحداث وتنامي الذروة السردية ثم استعادها آخر الملف أو عند ختام الرواية، وصادق نفسه يمثل هذه الثنائية أيضا فهو مفتقد عند حياة وعلى مسار الأحداث حتى استعادته، وهكذا يشكل الغياب والحضور المتناوب والمتبادل الثيمة الأساس في رواية ملف بروك، التي يمكن – كما تقدم - ومع بعض التسامح وصفها بالرواية ذات الحبكة البوليسية، كما أنها من محور آخر تستند على المخطوطة (الملف) لاستعراض مجريات الأحداث فيها، والتي تتوزع على أماكن متعددة ومتنوعة منها الوطن ومعسكرات الأسر (معسكر الأسرى في رفحاء- السعودية ) وأوربا – سويسرا، حيث مدينة بروك التي تحمل الرواية اسمها، وإليها نسب الملف الذي يمثل رواية أخرى طي الرواية الأم.
لقد مزج الروائي ياسين شامل بين الاشتغال على المخطوطة وهو شكل شائع في السرد العالمي وبين تدخلات المؤلف أو السارد في تحولات الرواية وأحداثها، وضم إلى ذلك مقاربته للحبكة البوليسية، ليخرج بمزيج روائي ممتع يشد القارئ ويقوده مع غوامض وأسرار ملف بروك مع لغز يفر دائماً إلى الأمام كلما ظن القارئ أنه سيسمك أو أوشك أن يمسك به ويكشف عن سره، وهو لغز حياة الجميلة جدا حتى تكتمل سلسلة المفاجآت بحادثة دفن بترونيلا وينكشف اللغز آخر الرواية بعد أن تسيّد أحداثها.
استغرقت الرواية حوالي مائتي صفحة موزعة على سبعة أجزاء (وكأنها أيام الخلق) بالإضافة إلى أوراق قلائل تطرح ثنائية المكان، الوطن/الغربة، وإشكالياته أمام القارئ ليظل ماثلاً ومستفزاً له حتى بعد انتهائه من قراءة الرواية وملفها، ملف بروك، ويهتدي إلى لغز حياة الجميلة جداً، حياة العراقية المرتدية للذات السومرية، والتي لم تستطع أن تعيش و تحيا إلا من خلال آنا السويسرية، أي إن الوطن هنا عجز عن إنجاز حياة جميلة فرعاها المنفى وترعرت فيه، ومن خلاله عملت على استعادة الجزء الآخر المفقود من الوطن، أي صادق!
من ضمن الرواية شغل ملف بروك مائة صفحة مفترضة، وكلاهما، الرواية والملف، يتضافران معا ليرسما مشاهد السرد المختلفة والمتآلفة، ومن تمازجهما تبدو لنا بوضوح المخيلة الفعالة للروائي ياسين شامل وهو يلون الأحداث بريشته بحرفية وذكاء قادت القارئ من مشهد إلى آخر مختلف، وجعلته يواكب التحولات للشخصية المحورية صادق المانع، فهو وكيل أعمال شركة ناجح يستعد للسفر إلى الخارج لعقد صفقة كبيرة، ثم يأتيه بريد يخبره بوجود ملف يخصه شخصياً في المدينة التي سيسافر إليها (مدينة بروك السويسرية) وخلال توالي الأحداث تتضح سيرة صادق وتتلخص بأنه جندي عاشق لحياة الجميلة لكنه وقع في الأسر بعد احتلال العراق للكويت وبعد سنوات عاد إلى الوطن ليجد شائعات تقتل في داخله حياة التي أحبها ثم يعمل في شركة وينجح، وفي الملف يلتقي بحياة من دون أن يعرفها، وكانت تحمل اسم آنا بترونيلا التي فقدها أبوها السويسري وتبنى حياة ومنحها اسم ابنته المتوفاة، وهكذا عبر استدراج (شبه بوليسي) تحقق اللقاء أخيرا بين حياة وصادق إنما في مقبرة، لقد عاش الوطن بصدق وحياة جميلة بعد موت المنفى!.
وبقي القارئ وأمامه إشكالية المكان تقف كعلامة استفهام كبيرة وملطخة بالأحمر الفاقع.
هل يُترك الوطن لتستمر الحياة أم تترك الحياة من أجل الوطن؟
تساؤل مر، يتسع ويكبر ليشمل الجميع في وطن محكوم عليهم فيه بالموت ماديا أو معنويا، وخلاصهم منه ليبقوا أحياء يحتم عليهم استبدال وطنهم بالمنفى
ما الحل إذن؟
هذا هو سؤال الرواية.



ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق